رحلة ثقافية ترفيهية الى رأس الشقعة ودير سيدة النوريّة وبلدة دوما

تحقيقاً لأحدِ أهدافِ الجمعيةِ الثقافيةِ الروميَّةِ الذي يَقضي “باستكشافِ الإرثِ الثقافيِّ الرومِيِّ في لبنان والمشرق والعالم“، نظَّمَت الجمعيةُ أوَّلَ رحلةٍ ثقافيةٍ لها يومَ 18 تموز 2014 إلى رأسِ الشقعةِ وبلدةِ دوما في أعالي قضاءِ البترون.

توَلَّى تنظيمَ الرحلةِ عُضوَا الهيئةِ التأسيسيةِ السيد نقولا مقبل والسيدة ميراي جهشان، وتعاوَنا في ذلك مع السيد سعيد خيرالله أحدِ أصدِقاءِ الجمعية. شارَكَ في الرحلة ثلاثٌ وأربعون شخصاً، كانَ في مقدَّمِهم قدسُ الأرشمندريت سيرافيم (بردويل) الذي رافقَ منذ البدءِ تأسيسَ الجمعيةِ والذي يشملُ خطواتِها الروحيةِ بعِنايتِه ومحبَّتِه. 

شمَلَت المرحلةُ الأولى من الرحلةِ زيارةَ رأس الشقعة وهو جبلٌ متقدِّمٌ في البحر تقومُ عليه بلدةُ حامات وعدة أديار، ومن أهمِّها ديرُ سيدة النورية الشهيرُ الذي يعودُ تاريخُه إلى القرونِ المسيحية الأولى والذي يضُمُّ مغارةً سُفلِيَّة قديمة وكنيسة أثريَّة تحمِلُ اسمَ الملاكِ ميخائيل وصِرحاً حديثاً بُنِيَ في القرن التاسع عشر يطلُّ بجلالٍ وهَيْبةٍ على ساحل الهري وشكا وأنفه. وفي ثنايا هذا الدير، أيقونةٌ عجائبية لوالدة الإله (ثيوتوكوس) Θεοτώκος التي تشفعُ منذ قرون عديدةٍ بالبَحَّارة والمُسافرين، يلجؤونَ إليها في الأنواءِ والأعاصير. أما الديرُ فهو قبلة للحُجّاج والزُوّار من لبنان وخارجِه لما يُمثِّلُه من مَقام دينيٍّ شهيرٍ ومَوقعٍ جُغرافي أخّاذ.

واكتمَلتْ زيارةُ دير سيدةِ النورية بأنْ عَرَّج الوفدُ الزائرُ على دير القديس سمعان العامودي القريبِ من ذلك المَكان والذي تمَّ مُؤخَّراً ترميمُ كنيستِه القديمة. ومن باحةِ تلكَ الكنيسةِ إطلالةٌ رائِعة على ساحل البترون وكُبَّه ووجهِ الحجر الغنيِّ بآثارِه. وبالفعلِ، تحوي هذه المنطقة أدياراً وكنائسَ أثريةً قديمة تعودُ إلى عصر الدولةِ الرومِيَّةِ القديمةِ، وقد جرى ترميمُ بعضِها أو إعادةُ بنائِه لاحِقا في العصرِ الصَليبيّ.

وفي المرحلةِ الثانيةِ من الرحلةِ، توجَّهَ الزائرون إلى بلدةِ دوما التي تَعلو حواليْ ألفِ متر عن سطح البحر، مُعتبرينَ البلدةَ التي تضُمُّ أكبرَ مجموعةٍ بَشريةٍ رومِيةٍ في قضاء البترون مقصداً يستحقُّ مَشقَّة السفرِ، إذْ أنَّ معظمَ سُكانِها هم من الروم الذين يَنقسِمونَ إلى أكثريةٍ أرثوذكسيةٍ وأقليةٍ كاثوليكية. وأكبرُ عائلاتِها هيَ أسرَة شلهوب.

بلدةُ دوما قديمة جِدّاً تعودُ في تاريخِها إلى العصور القديمةِ قبلَ انتشار المسيحية، وتَحوي آثاراً لمعابدَ وثنيةٍ حُوِّلَ معظمُها إلى كنائسَ. وكانَت دوما مدينةً عامِرَة قبلَ الاحتلالِ الإسلاميِّ لبلادِ المشرق بدليلِ آثارِ الفسيفساءِ التي وُجِدَت فيها وبقايا الكنائس والأديار القديمةِ القائمةِ على أرضِها. ويُروى بأنَّ أرضاً كبيرةً مُغَطّاةً بالفسيفساءِ إكتُشِفَت في وسطِ البلدةِ في أواخر القرنِ التاسع عشر، ودُمِّرَت وأزيلَت كُلِّياً بسببِ جهلِ المواطنين في ذلك العصر. وفي ساحةِ البلدةِ، وُضعَ ناووسٌ قديمٌ يَحملُ منقوشاتٍ باللغةِ اليونانيةِ تُشير إلى المدفون فيه وهو كاستور، كاهنٌ وطبيبٌ من جَماعةِ إلهِ الطبِّ أسكليبيوس Ασκληπιός توفي سنة 317 (أي في عهد قسطنطين الأول الكبير).

استقبَلَت الوفدَ الزائرَ جمعيةُ الحفاظِ على التراثِ مُمثَّلةً بالسيدة حياة شلهوب والأستاذ بسّام شلهوب الذي رافقَ الوفدَ في تجوالِه. وكانَت من أهمِّ محطّات الجولةِ زيارةُ متحفِ دوما حيثُ جُمِعَت وثائقُ وصورٌ وأدواتٌ منزليةٌ وآلاتٌ مختلفة تعودُ إلى القرنَين الماضيَين. تجوَّلَ الوفدُ في شوارع دوما القديمة والضيِّقة، وزارَ بعضَ المنازلِ التراثِيةِ ذاتِ الفنِّ المعماري الرائع ، وهي تعودُ في تشييدِها إلى ما بينَ سنتَي 1880 و1914. بنى هذه الصروحَ المعمارية الجميلة أهلُ البلدةِ المغتربون الذي هاجَروا، في زمن المتصرِّفية، إلى كافةِ بلدان أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية. ويحتفِظُ المتحفُ الدومانيُّ بصُوَرٍ لبعض هذه العائلاتِ التي هاجَرَت في ذلك الزمن، ومن أبنائِها من ارتقى إلى مناصبَ سياسيةٍ واجتماعيةٍ عاليةٍ في بلادٍ الاغتراب. ومن الواجبِ ذكرُهم بينَ هؤلاءِ المغتربين، المثلثُ الرحماتِ المتروبوليت أنطونيوس (بشير) مطران نيويورك وأميركا الشمالية على الروم الأنطاكيين الأرثوذكس في النصفِ الأوَّل من القرن العشرين، والذي ترجَمَ إلى العربية كتبَ جبران خليل جبران من الأنكليزية.

وتضُمُّ دوما ما لا يقِلُّ عن عشرةِ كنائس، كلُّها روميةٌ باستثناءِ واحدةٍ مارونية. وفي وسطِ البلدةِ، تُشاهدُ الكنيسَتان الرومِيَّتان الرئيسيَّتان، الأرثوذكسية والكاثوليكية، وقد تلاصَقتا وارتفعَتا بالعلوِّ نفسِه عن سطْح الأرض.

ولا يجوزُ تناسيُ تاريخ دوما الحديثة التي عرَفَتْ نهضةً بارزة في زمنِ متصَرِّفيةِ جبل لبنان حينَ إعتُرفَ لها بكيانٍ بلدِيٍّ مُستقل، ونشأتْ فيها أوَّلُ صيدليةٍ في بلادِ الشام، وبُنِيَ فيها مسرحٌ بقيَ عاملاً لعقودٍ طويلة. واشتهرَت دوما حينَذاكَ بصناعةِ الحديدِ وحياكةِ الحرير. وقد لفتَتْ دوما انتباهَ الأمبراطوريةِ الروسيَّةِ القيصريَّةِ في عهدِها الذهبيِّ الأخير، فأنشأتْ فيها الجمعيةُ الأمبراطورية الروسية مدرسَتَين، واحدةٌ للذكور وأخرى للإناث. كما رَعَتْ الدولةُ الروسية شقَّ طريقٍ بين أميون ودوما، وسَعَت بكلِّ نفوذِها لإتمام هذا المشروع الذي دُشِّنَ سنة 1900 بحضور القنصلِ الروسي ليشين.

بعدَ زيارةِ هذه المعالم التراثيَّةِ الهامَّة، عرَّجَ وفدُ الجمعيةِ الثقافيةِ الروميَّةِ على مطعم أسكلابيو في وسطِ البلدة لتناوُلِ وجبةِ الطعام والتمتُّع بساعاتٍ من الترفيهِ والراحةِ في ربوع بلدةٍ رومِيَّةٍ عريقةٍ تتلألأُ في جبالِ لبنان.

يبقى أنَّ تاريخَ دوما منذُ العصور المسيحيَّةِ الأولى وإلى يومنا هذا، مُروراً بعصورِ الظلمةِ والجهلِ التي دامَت قروناً طويلة بحاجةٍ لأنْ يُستكشَفَ ويُكتبَ ويُنشَر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.